أحمد بن محمد ابن عربشاه

533

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

وكثرة ملوكه ، ومناعة حصونه ، وعمارة بلاده ووفرة مملوكه ، فإن ممالك جنكز خان بالنسبة إلى ولايات الخاقان لاش ، وأقل من لاش ، وعساكره وقبائله ، بالنظر إلى أهل الصين أوشاب « 1 » أوباش ، فرجع قصاد جنكز خان بالخيبة ، وذكروا ما رأوا لملك الصين من عظمة وهيبة ، فلم يلتفت إليه ، ثم قصد التوجه عليه بعدد كالرمال ومدد كالجبال ، وواقعه فكسره ، وناقفه فحصره « 2 » ، وقبض عليه وأباده واستصفى ولايته وبلاده وكانت هذه الكسرة والنصرة ، في سنة إحدى وستمائة من الهجرة . فاستقل من غير منازع ولا ممانع ولا مدافع ، فلما خصلت له الممالك وانقاد له المملوك والمالك ، أخذ في ترتيب الأمور وتهذيب الجمهور ، وطير أجنحة مراسيمه إلى أطراف ممالكه وأكناف أقاليمه ، فرفع جميع ما هم عليه من النهب والغارات والتحزبات وطلب الثارات ، فهدم قواعد الظلم والتعدي في ممالكه ، فلم ير أيمن من ولايته ، ولا آمن من مسالكه وهي ممالك المغل والخطا ، وإلى الصين شرقا وولايات المغل والجنا وبلاد الترك ، وإلى حدود أترار ما وراء النهر غربا . فجرى بعد النهب والإسار في ممالك المغل والتتار ، والبغى والعدوان العدل والأمان ، والسلامة والاطمئنان وبعد السرقة والخيانة الوفاء والأمانة ، وأمر بوضع البرد « 3 » والمنارات والعلائم والإشارات ، وعمرت المفاوز والمناهل ، وسكنت الصحارى والمذاهل « 4 » ، وعرفت طرق المهامة

--> ( 1 ) شرذمة قليلة حقيرة . ( 2 ) أي ناوشه في القتال . ( 3 ) البرد ، مفردها البريد : المكتب الذي يتسلم ويسلم الأشياء المرسلة . ( 4 ) المذاهل ، مفردها المذهل : المكان الذي يذهل فيه ويغيب عنه رشده .